كواليس صحراوية : الدكتور/ عبدالقادر بريهما السباعي
منذ اندلاع نزاع الصحراء، ظلت الجزائر تتعاطى معه بمنطق التعطيل والمناورة، رافضة الاعتراف بدورها الحقيقي كطرف رئيسي معرقل، ومتمسكة بخطاب تقليدي كاذب تجاوزته التحولات الإقليمية والدولية “تقرير المصير”. وعلى امتداد عقود، استنزفت فرص الحل بسبب هذا التعنت، رغم وضوح مبادرات التسوية وتنامي القناعة الأممية بأن استمرار الوضع القائم لا يخدم الاستقرار ولا مصالح شعوب المنطقة. غير أن المرحلة الراهنة تختلف جذريًا عن سابقاتها، إذ لم يعد أمام الجزائر هامش واسع للمراوغة، وأضحت مطالبة بالتعامل بواقعية سياسية تفرضها موازين القوى الدولية وإرادة حقيقية لوضع حد نهائي لهذا النزاع المفتعل.
في هذا السياق، يبرز دور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي فرض “المائدة المستديرة” التي ستنطلق فعالياتها خلال الايام المقبلة، وقطع الطريق على أي مفاوضات أممية ثنائية شكلية، مكرسا مسارا تفاوضيا جديا يضم الأطراف الأربعة: المملكة المغربية، الجزائر، موريتانيا، وجبهة البوليساريو، هذا الإطار الواضح يعكس مقاربة أممية برعاية أمريكية حازمة، تقوم على تسمية الأشياء بمسمياتها، ومخاطبة وفد البوليساريو مع توجيه الرسائل الحقيقية إلى الوفد الجزائري باعتباره صاحب القرار الحقيقي. ووفق القرار الأممي 2797 الصادر بتاريخ 31 أكتوبر 2025، فإن الخيارات أمام الوفد الجزائري باتت محدودة، والمناورة التي إعتادت عليها السلطات الجزائرية مع إدارة ترامب شبه مستحيلة، ما يجعل القبول بمشروع الحكم الذاتي المغربي كحل واقعي ودائم أمرا لا مفر منه، في إطار تسوية “لا غالب فيها ولا مغلوب”.
كما أن هذا المسار الجديد يفتح الباب أمام تمثيل حقيقي ومتعدد للصحراويين، بعيدًا عن الاحتكار السياسي، من خلال إشراك مختلف التوجهات السياسية التي تمثل الصحراويين، سواء جبهة البوليساريو أو حركة صحراويون من أجل السلام وغيرها من الأصوات المؤمنة بالحل السلمي. فالرؤية التي تقودها الإدارة الأمريكية اليوم لا تستهدف الإقصاء، بل تسعى إلى حل عادل ومتوازن يضمن كرامة الصحراويين، ويحفظ الاستقرار الإقليمي، ويؤمن للجزائر مصالحها السياسية والاقتصادية ضمن منطق التعاون بدل الصراع. وبهذا، يسجل للرئيس ترامب دور محوري في الدفع نحو نهاية هذا النزاع المزمن، عبر مقاربة واقعية شجاعة تضع حدا لخمسة عقود من الجمود.















