كواليس صحراوية : لبيهي وفاء
في العيون، كما في غيرها من المدن، هناك سؤال يتكرر كلما اقترب موعد الانتخابات:
لماذا يصبح بعض المرشحين أقرب إلى المواطن قبل الانتخابات… وأبعد عنه بعدها؟
قبل الاقتراع، لا تحتاج إلى البحث عن المرشح.
ستجده في كل مكان.
في الأعراس، في المناسبات، في المقاهي، في اللقاءات، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي… ابتسامة هنا، مصافحة هناك، ووعود تكفي أحيانًا لبناء مدينة كاملة على الورق.
يُقال للشاب : «غادي نخدمو على التشغيل.»
ويُقال للمواطن: «مشاكلكم فوق راسنا.»
ويُقال للناس: «المرحلة المقبلة ستكون مختلفة.»
ثم تأتي لحظة التصويت.
يضع المواطن صوته في الصندوق، ويعود إلى منزله.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
تنتهي الانتخابات… ويبدأ الاختفاء.
ذلك الهاتف الذي كان يُجاب عنه في ثوانٍ، يصبح صامتًا.
وذلك الباب الذي كان مفتوحًا للجميع، يصبح له موعد وحارس وألف عذر.
والسؤال هنا ليس : لماذا لم يحقق المنتخب كل وعوده؟
فالسياسة تدبير للواقع، والواقع مليء بالعراقيل.
السؤال الأخطر هو:
لماذا لا يعود المنتخب إلى المواطن ليقول له ببساطة: هذا ما وعدنا به، وهذا ما تحقق، وهذا ما تعثر، وهذه أسباب التعثر؟
أليست هذه أبسط قواعد المسؤولية؟
في العيون، المواطن لا يريد خطابات جديدة بقدر ما يريد حصيلة واضحة.
الشاب الذي يبحث عن فرصة عمل لا يحتاج إلى صورة انتخابية جديدة.
والأسرة التي تواجه صعوبات يومية لا تحتاج إلى منشور مليء بالشعارات.
والمواطن الذي ينتظر خدمة عمومية أفضل لا يريد أن يسمع كلمة «قريبًا» إلى ما لا نهاية.
الناس تريد أن ترى أثر السياسة في حياتها، لا أثرها فقط في صفحات التواصل الاجتماعي.
والأخطر من المنتخب الذي يفشل في تحقيق وعد هو المنتخب الذي يعتقد أن المواطن سينسى.
لا يا سيدي المنتخب…
المواطن قد يسكت، لكنه لا ينسى.
قد لا يكتب تعليقًا، لكنه يرى.
يرى من كان قريبًا منه قبل الانتخابات، ومن بقي قريبًا منه بعدها.
يرى من جاء إليه طالبًا صوته، ومن عاد إليه لاحقًا ليسأل عن أحواله.
ويرى الفرق بين من يريد مقعدًا… ومن يريد مسؤولية.
ولهذا، ونحن نقترب من موسم انتخابي جديد، ربما آن الأوان أن نغيّر السؤال.
لا نسأل فقط :
«من المرشح؟»
بل نسأل :
«ماذا فعل عندما كان يملك المسؤولية؟»
لا نسأل فقط:
«ماذا سيقدم لنا؟»
بل نسأل :
«ماذا قدم عندما كانت أمامه الفرصة؟»
ولا نسأل فقط :
«هل لديه برنامج؟»
بل نسأل :
«هل لديه استعداد للحساب؟»
والآن… حان وقت المساءلة.
ليس المطلوب محاكمة أحد بالشائعات، ولا تصفية الحسابات بالمنشورات.
المطلوب أبسط وأقوى من ذلك :
أن يسأل المواطن، وأن يجيب المنتخب.
نريد حصيلة واضحة، أرقامًا، مشاريع، آجالًا، وما تحقق وما لم يتحقق.
نريد أن تصبح مساءلة المنتخب حقًا ديمقراطيًا لا موسمًا انتخابيًا عابرًا.
ومن حق المواطن أن يطلب من كل من يطلب صوته اليوم أن يقف أمامه غدًا ويقدم حسابه.
لذلك، قبل أن نمنح أصواتنا، فلنطلب الإجابات.
وقبل أن نسمع الوعود الجديدة، فلنفتح دفتر الوعود القديمة.
فالمدينة ليست ملكًا للمنتخبين، والمقعد ليس امتيازًا شخصيًا… والصوت الذي يمنحه المواطن ليس شيكًا على بياض.
ومن أراد صوت العيون، فليكن مستعدًا أيضًا لسماع أسئلة العيون.
هذه المرة… لا نريد مرشحًا يطلب ثقتنا فقط. نريد مسؤولًا مستعدًا للمساءلة.















