كواليس صحراوية : بقلم / محمد الدي
مع ترجل زعيم حزب التجمع الوطني للأحرار عن صدارة المشهد السياسي، وقناعته الواضحة بأنه لن يكون رجل المرحلة المقبلة، تبرز ملامح تحول عميق في تدبير الشأن العام بالمغرب، تحول قد يؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الأبرز: التكنوقراط.
هذا التحول لا يبدو وليد الصدفة، بل يأتي في سياق داخلي وإقليمي ودولي معقد، يفرض على الدولة البحث عن أنجع السبل لضمان الاستقرار وتسريع وتيرة الإصلاح. وهنا يطفو إلى السطح خيار الاعتماد على كفاءات وطنية ذات خبرة علمية وتقنية، يتم تعيينها بناءً على المعرفة والقدرة على الإنجاز، لا على أساس الانتماء الحزبي أو التوازنات السياسية الضيقة.
ويقوم النهج التكنوقراطي على إسناد المسؤولية لأشخاص راكموا تجربة مهنية وعلمية، وقادرين على تقديم حلول عملية وواقعية للمشاكل البنيوية التي تواجه البلاد، سواء في الاقتصاد، التعليم، الصحة، الطاقات المتجددة، أو البنيات التحتية. فحين تُشكل حكومة تكنوقراط، يكون الهدف الأساسي هو تحسين الأداء والتسيير، واتخاذ قرارات مبنية على المعطيات الدقيقة والدراسات العلمية، بدل الخطاب السياسي والشعارات الظرفية.
كما أن هذا التوجه من شأنه تقليص حدة الصراعات الحزبية التي غالباً ما تعرقل تنزيل السياسات العمومية، وتستنزف الزمن السياسي على حساب الزمن التنموي. فالتكنوقراط يشتغلون بمنطق النتائج، لا بمنطق الحسابات الانتخابية، ما يمنح الإدارة العمومية نفساً جديداً وقدرة أكبر على الفعل.
المرحلة المقبلة، كما تبدو ملامحها اليوم، ستكون مرحلة انتقالية محضة، تُعاد فيها هندسة القرار العمومي على أساس الكفاءة والنجاعة، لا الولاءات والانتماءات. وهي مرحلة دقيقة تتطلب وضوح الرؤية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية العليا.
غير أن نجاح هذا الخيار يبقى رهيناً بقدرته على الانسجام مع التراكم الديمقراطي الذي حققه المغرب، عبر إيجاد توازن ذكي بين الشرعية السياسية والكفاءة التقنية، بما يضمن استمرارية المؤسسات وثقة المواطنين.
إن المغرب، وهو يقبل على هذه المرحلة المفصلية، يبدو مطالباً أكثر من أي وقت مضى بالاستثمار في رأسماله البشري، وفتح المجال أمام نخبة من الخبراء القادرين على قيادة الإصلاح بهدوء وفعالية، في أفق بناء نموذج تنموي أكثر عدلاً ونجاعة، يستجيب لتطلعات المغاربة ويواكب تحديات المستقبل.












