كواليس صحراوية : بقلم / محمد الدي
الوطنية التي ندفع ثمنها إلى اليوم ليست شرفًا متقاسمًا، بل عبئًا يُلقى عمدًا على أكتاف الصادقين وحدهم. وطنية يُستثمر فيها من خلف الستار، ويُسترزق باسمها، بينما يُحاصر من يؤمن بها حقًا بالتجريح، والسخرية، والتخوين المقنع.
نُهاجم في التعاليق، ونُستفز في الرسائل الخاصة، وتُرمى علينا عبارات عامية رخيصة، وضحكات إلكترونية فارغة، وأحيانًا ألفاظ نابية في الخاص لا تعكس سوى إفلاس أصحابها. لكن هذا كله ليس جوهر المشكلة.
الجوهر أن هؤلاء معروفون بالاسم والسلوك والتاريخ. نعرفهم جيدًا، ونعرف مكر نواياهم القذرة منذ زمن بعيد، وهم يدركون أننا نعرفهم. ومع ذلك، تم سحبهم عمدًا إلى صف “الوطنية”، لا إيمانًا بها، بل انتهازًا لها. انسحبوا من مواقفهم السابقة في صمت غير مُعلن، وارتدوا قناع الوطنية عند أول مصلحة.
صاروا وطنيين على مواقعهم، صامتين في صفحاتهم الشخصية. أحدهم يُحشلف في موقعه، وآخر يطبل في صفحته “هلا وگين” المعروفة. بعضهم يمتلك أرشيفًا قضائيًا موثقًا، من بينه التحريض الصريح على الانفصال في زمن مضى، ومع ذلك يمرون دون مساءلة، وكأن الذاكرة الوطنية انتقائية، أو كأن الخيانة تسقط بالتقادم.
في المقابل، نحن من ندفع ضريبة الوطنية، وضريبة الإخلاص، وضريبة قول الحقيقة. ففي عهد الوالي السابق لجهة الداخلة، لامين بنعمر، كنا منبوذين ومقصيين، لا لذنب اقترفناه، بل لأنه لم يعترف بالوطنيين الحقيقيين، وفضل استقطاب أصحاب الخلفيات الانفصالية، ومنحهم الامتياز والشرعية. وهو ما حذرنا منه سابقًا دون مواربة.
نعيش اليوم داخل مجتمع منافق، يصفق للنوايا المعلبة، بينما الحقيقة تُدفن عمدًا. مجتمع يتقن التطبيل أكثر مما يتقن المحاسبة. أما نحن، فحملنا الوطنية إرثًا لا شعارًا؛ أجدادنا سقطوا شهداء في معارك بين المغرب وجبهة البوليساريو، وآباؤنا ربونا على حب الوطن كقيمة فطرية لا تُساوَم.
فالوطنية ليست موضة موسمية، ولا بطاقة عبور للمصالح، ولا قناعًا يُستعار عند الحاجة. الوطنية موقف، وتاريخ، وذاكرة والتاريخ لا يرحم، ولا ينسى.
فمن كان بيته من زجاج، فليتوقف عن رمي الناس بالحجارة نملك الأرشيف، ونعرف الأسماء، ونعرف المسارات فكفى تجاهلًا، وكفى نفاقًا، وكفى عبثًا بعقول الناس.. فالوطنية نزعة فطرية لا تكتسب بين ليلة وضحاها ولو أردتم نبش التاريخ لجعلناه نارا عليكم فلا تشعلو نيرانكم الحقودة
حين تُصبح الوطنية ضريبة ويكافئ المتاجرون بها..











