كواليس صحراوية : عصام لعقابي
في عمق مدينة الداخلة، حيث تتقاطع أمواج المحيط مع الرمال الذهبية، يبرز اسم المخرج الشاب محمد كنتاوي، طالب الماستر بالمعهد العالي للسمعي البصري والسينما (ISMAC)، ليقدم لنا في فيلمه القصير “اللمسة الأخيرة” (The Final Touch) تجربة سينمائية لا تركن إلى السطحية، بل تغوص في تضاريس النفس البشرية المعذبة.
* دراما الوجود في رقعة ضيقة :
لا يقدم كنتاوي في هذا الفيلم مجرد قصة عن أخوين، بل يضع المشاهد أمام “مواجهة وجودية” مكتملة الأركان. نحن أمام “كريم” (الأخ الأكبر)، المشلول الذي تحول إلى سجين داخل جسد لا يتكلم، تاركاً لعينيه مهمة التعبير عن ألم لا يطاق. وفي المقابل، نجد “صلاح”، الأخ الأصغر، الذي يجسد صراع الإنسان الحديث الممزق بين نداء الواجب الأخلاقي وضغوط “الحياة الوردية” التي تفرضها النظرة الاجتماعية.

لقد نجح الكنتاوي في حبك خيوط الدراما عبر تفاصيل الحياة اليومية القاسية، حيث يتحول المنزل ملاذ الأمان المفترض إلى مسرح للفناء والروابط الممزقة.
صراع الأضداد، فاتن كمرآة للواقع تأتي شخصية “فاتن” لتكون العنصر المحفز الذي يفجر التناقض.
إنها تمثل المجتمع الذي لا يطيق “هشاشة” المرض، المجتمع الذي يبحث عن الجمال السطحي ويهرب من مواجهة الالتزامات الإنسانية الثقيلة. مشهد الازدراء الذي أبدته فاتن تجاه وضع كريم، لم يكن مجرد صراع عاطفي، بل كان تشريحاً لواقع العلاقات الإنسانية التي قد تنهار أمام أول اختبار حقيقي للكرامة.
* السينما التجريبية : حيث يتحدث الصمت :
في “اللمسة الأخيرة”، يبتعد المخرج الشاب كنتاوي عن التقريرية، ليغوص في اللغة السينمائية التجريبية. فالمشهد الذي يتفجر فيه “صلاح” غضباً، محولاً المنزل إلى فوضى، وصولاً إلى لحظة التنوير حين تتجسد الذكريات في صورة قديمة، يمثل ذروة الفيلم البصرية والعاطفية.
تلك اللحظة التي يقرر فيها “صلاح” استعادة إنسانيته عبر تنظيف أخيه، كانت “اللمسة الأخيرة” التي منحت للفيلم عمقه الروحاني. إن فعل “العناية” هنا ليس مجرد روتين، بل هو طقس تطهيري.
* الصمت الناطق واللحظة المأساوية :
تتجلى عبقرية المخرج في خاتمة الفيلم؛ حيث تقود الصدفة أو ربما القدر إلى فاجعة الصعق الكهربائي. في تلك اللحظة، ندرك مفارقة مؤلمة “كريم” المشلول الذي لا يملك سوى عينيه، يعيش ألم أخيه النفسي والجسدي، بينما هو عاجز تماماً عن إنقاذه. إن التقاء الأيدي المرتجفة في اللحظات الأخيرة هو صرخة بصرية ضد العزلة، وهي اللحظة التي يهمس فيها صلاح بـ اسم اخيه ‘كريم’ ليس بمعنى الموت، بل بمعنى انتهاء صراعهما مع الحياة.

يعد فيلم “اللمسة الأخيرة” لمحمد كنتاوي بمثابة شهادة على ميلاد رؤية سينمائية شابة واعدة. لقد استطاع المخرج أن يحول مأساة فردية إلى أطروحة حول الحب، التضحية، وعبء المسؤولية في عالم يطالبنا دائماً بأن نكون مثاليين.
إنه فيلم لا يشاهد فحسب، بل يُشعر به، ويترك في النفس أثراً لا يمحوه مرور الوقت.
نتطلع لرؤية أعمال قادمة لهذا المخرج الشاب، الذي يثبت يوماً بعد يوم أن السينما المغربية في الأقاليم الجنوبية تمتلك طاقات قادرة على نبش الأسئلة الكبرى بأسلوب بصري متميز.















